القرطبي

285

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يأمر الناس بالميرة ( 1 ) ، فكلما جاء قوم يقول : من ربكم وإلهكم ؟ فيقولون أنت ، فيقول : ميروهم . وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له : من ربك وإلهك ؟ قال إبراهيم : ربى الذي يحيى ويميت ، فلما سمعها نمروذ قال : أنا أحيى وأميت ، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر ، وقال لا تميروه ، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شئ فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال في نفسه : لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم ، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ونام هو من الاعياء ، فقالت امرأته : لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه ، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحوارى ( 2 ) فخبزته ، فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟ فقالت : من الدقيق الذي سقت . فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك . قلت : وذكر أبو بكر ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال : انطلق إبراهيم النبي عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام ، فمر بسهلة ( 3 ) حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا : ما هذا ؟ فقال : حنطة حمراء ، ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء ، قال : وكان إذا زرع منها شيئا جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا . وقال الربيع وغيره في هذا القصص : إن النمروذ لما قال أنا أحيى وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر فقال : قد أحييت هذا وأمت هذا ، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت . وروى في الخبر : أن الله تعالى قال وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أنى أنا القادر على ذلك . ثم أمر نمروذ بإبراهيم فالقى في النار ، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشئ وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة ، فأنجاه الله من النار ، على ما يأتي ( 4 ) . وقال السدى : إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك - ولم يكن قبل ذلك دخل عليه - فكلمه وقال له : من ربك ؟ فقال : ربى

--> ( 1 ) الميرة : جلب الطعام ، قاله ابن سيده . ( 2 ) الحوارى ( بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء ) : الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه . ( 3 ) السهلة ( بكسر السين ) : رمل خشن ليس بالدقاق الناعم . والسهلة ( بفتح السين ) نقيض الحزنة ، وهو ما غلظ من الأرض . ( 4 ) راجع ج 11 ص 303